فصل: مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



أيها الناس أي شيء عرض لكم ومنعكم من {أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} وهذا تأكيد في إباحة ما ذبح على اسم اللّه دون غيره {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} في كتابه مما لم يحرم ووضحه لكم فمنه ما أنزله ومنه ما سينزله بعد، لأنه تعالى أنزل الكتاب جملة واحدة إلى بيت العزة كما تقدم في المقدمة في بحث إنزال القرآن وقد استوفى ذكره في سورة المائدة التي هي قبل هذه السورة في ترتيب القرآن كما هو في علم اللّه وبعدها بالنزول فتلك مدنية وهذه مكية لهذا فإن بعض المفسرين قال إن هذا التفصيل المشار إليه هنا يعود إلى سورة المائدة بالنظر إلى هذا لكنه قول غير سديد لما فيه من البعد وعليه فإن المراد بالتفصيل ما ذكره في هذه السورة وما سيذكره بعد في المائدة وغيرها، وقال بعضهم إن الضمير يعود إلى قوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} الآية الآتية بعد بضع وعشرين آية وقد اختاره الإمام الرازي بداعي أن هذا التصور من المتأخر لا يمنع أن يكون المراد به الآن وهو وجيه لو كان عود الضمير إلى المتأخر جائز مطلقا وحيث لا فلا كما أشرنا إليه في الآية 29 المارة بأنه يمكن عوده لما يليه أما عوده لكلام بعد جمل كثيرة فلم يقل به أحد ويحتمل أن الرازي رحمه اللّه نظر إلى أن التأخير في التلاوة لا يوجب التأخير في النزول، وعليه فلا يضر تأخر هذه الآية التي نحن بصددها لأنها من صورة واحدة تدبر.

.مطلب الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بغيرها وأن طاعة اللّه واجبة مطلقا:

واعلم أن اللّه تعالى بين لكم، ما حرم عليكم ومنعكم من تعاطيه {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ} بأن مستكم الحاجة {إِلَيْهِ} وأقسرتم على أكل شيء من المحرمات أو شربه من قبل الغير أو أنهككم الجوع والعطش لتناوله بحيث لا يوجد غيره، وفي عدم التناول يتحقق الهلاك فعلا أو في غالب الظن، فإذ ذاك يجوز تناول المحرم أكلا وشربا بقدر الحاجة الدافعة لمظنة الهلاك، إذ يكون هذا في هذه الحالة مباحا لأنه صار من جملة ما أحله اللّه عند الحاجة، والقاعدة الفقهية أن الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بقدرها ولذلك قلنا بجواز تناول ما يوقع مظنة الهلاك لأن من غص بالأكل ولا ماء عنده جاز له أن يسوغها بالخمر، ومن أنهكه الجوع ولا شيء عنده جاز له أكل الميتة والدم والخنزير بقدر ما يدفع به الغصة وضرر الهلاك وفاقا للقاعدتين المذكورتين، وليعلم أن ما يحصل للوجود من الضرر بشرب أو أكل شيء من ذلك أهون من ضرر الإتلاف والقاعدة الشرعية الثالثة هي اختيار أهون الأمرين ضررا، هذا {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ} فيحرّمون ويحللون كما تشتهي أنفسهم {بِغَيْرِ عِلْمٍ} جهلا منهم بحكم اللّه وعدم معرفتهم بحقائق ما حرم عليهم غير ملتفتين إلى أسبابه لأن اللّه تعالى لم يحرم علينا شيئا إلا لمنفعتنا ودرأ للمضار عنا فمخالفته اعتداء عليه تعالى أولا وثانيا على النفس التي أوجب اللّه علينا محافظتها من المضار، وجاء في الخبر: من أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ 119} المتجاوزين قدر الحاجة في تناول المحرمات زيادة عن الضرورة، هذا وليعلم أن طاعة اللّه واجبة مطلقا سواء كان المنهي عنه بسبب ظاهر أو لا لأن أحكام اللّه لا تعلل كما نوهنا به في الآية 96 من سورة يونس المارة، قال تعالى: {وَذَرُوا} أيها الناس {ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ} اتركوه وتباعدوا عنه وأعرضوا عن كل ما نهيتم عنه إذا كنتم تريدون الطهارة الحسية والمعنوية، واجتنبوا ما يطلق عليه لفظ الإثم سرا وعلانية قليلا أو كثيرا لأن التلبس بالذنوب سرا يفضي إلى الجهر، ومقارفة القليل منها تؤدي إلى الكثير، ومن مال حول الحمى يوشك أن يقع فيه ثم هدد جل ثناؤه أمثال هؤلاء بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ} أي إثم كان ومجيئه معرفا لا يمنع من عمومه لشموله جميع المنهيات الكبائر والصغائر {سَيُجْزَوْنَ} يوم القيامة إن لم تعجل لهم العقوبة في الدنيا ولم يتوبوا أو يقاصصوا، لأن اللّه تعالى قد يغفر بعض الإثم بمقابل ما يصيب مكتسبه من البلاء {بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ 120} بقدر اقترافهم منه لأن لكل إثم جزاء عند اللّه يجازيه عليه بحسبه وسبب ارتكابه إياه، وقدمنا ما يتعلق بالإثم في الآية 32 من سورة الأعراف في ج 1.
هذا وما قاله بعض المفسرين بأن ظاهر الآية يخصص ظاهر الإثم في نكاح المحارم من زوجة الأب والابن وغيرها وباطنه في الزنى أو أن الظاهر بالزنى بأولى الرايات المعلنات البغاء، إذ كان في الجاهلية الزانيات المعلنات يضعن رايات على محلهنّ علامة على ذلك، والباطن هو الزنى بالأخدان وهو أن يتخذ الرجل صديقة له من الأجانب فيأتيها سرا إذا كان لها زوج وعلنا إن لم يكن لها زوج أو ولي أما الخدن التي لا زوج لها ولا ولي فهي من قسم الزانيات المعلنات أو أن الظاهر طواف الرجال بالبيت نهارا عراة والباطن طواف النساء به ليلا عراة وغير ذلك أقوال لا مستند لها ولا مناسبة لها في هذه الآية التي لا يوجد ما يقيدها بشيء من ذلك، في عامة لهذه الأشياء وغيرها من جميع الآثام كبيرة كانت أو صغيرة، قال تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} هذا نهي عام أيضا لا يستثنى منه إلا النسيان والخطأ والإكراه والشك في التسمية، وذبيحة الكتابي مستثناة أيضا روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم سئل عن متروك التسمية نسيانا فقال كلوا فان تسمية اللّه تعالى في قلب كل مسلم وقال صلّى اللّه عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وروى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي اللّه عنها قالت قلت يا رسول اللّه ان هنا أقواما حديثا عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان فما ندري يذكرون اسم اللّه عليها أم لا قال أذكروا أنتم وكلوا، فعلى هذا ليس لنا أن نقول انهم لا يذكرون اسم اللّه على ذبائحهم وهم أهل كتاب بل نعتقد أنهم يذكرون كيف وقد قال تعالى: {وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ} الآية 5 من سورة المائدة في ج 3.

.مطلب النهي عن كل ما لم يذكر اسم اللّه عليه والحكم الشرعي في التسمية وما هو مفعولها:

أما ترك التسمية عمدا على الذبيحة فيحرم أكلها بنص هذه الآية لأن عدم ذكرها ظاهرا عمدا ينفي تخطرها في قلبه وإن ما جاء في الخبر ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم اللّه تعالى أو لم يذكر محمول على النسيان لا على العمد لأن فيها تهاونا وعدم مبالاة وهذا هو الحكم الشرعي في ذلك {وَإِنَّهُ} أي كل متروك التسمية عمدا {لَفِسْقٌ} خروج عن طاعة الله: {وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ} يسرون ويشيرون {إِلى أَوْلِيائِهِمْ} من المشركين بذلك {لِيُجادِلُوكُمْ} فيه جهلا وعنادا {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} أيها المؤمنون في تناول شيء مما حرم عليكم دون مسوغ أو أكلتم مما ذكر اسم الصنم عليه وحده أو مع الله: {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ 121} مثلهم، لأن اللّه لا يقبل الشركة معه وان من اتبع غير اللّه في دينه فقد أشرك به ومن آمن به وأشرك معه غيره فقد أشرك وكفر أيضا هذا ومن أول هذه الآية بغير ما ذكرناه فقد خالف ظاهرها وكلف نفسه ما لا يعنيها وعرضها للخطأ ولاسيما وان هنا مزالق الأقدام لأنك إذا أرخيت للعنان لنفسك تبعها هواها فتسترسل في كتاب اللّه فاياك أن تتجاوز حده فاحفظ نفسك حفظك الله: {أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا} من كان قلبه ميتا بالكفر لأن الكافر في حكم الميت {فَأَحْيَيْناهُ} بالإيمان والمعرفة {وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا} في قلبه يستضيء به طريقه بدل الكفر والضلال الكامنين فيه فصار {يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} أي بينهم آمنا منهم بما هو عليه من الإيمان الكامل {كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ} ظلمة الكفر وظلمة الجهل وظلمة القلب {لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها} أي ليس هذا وذاك سواء وهذا مثل ضربه اللّه للمؤمن والكافر، لأن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتا فأحيي وأعطي نورا يهتدي به في مصالحه فهو في مخبأة من المهالك والكافر بمنزلة المنغمس في الظلمات يبقى متحيرا لا يعرف كيف يتخلص منها، قال ابن عباس رضي اللّه عنه نزلت هذه الآية في حمزة بن عبد المطلب رضي اللّه عنه وفي أبي جهل بن هشام لأنه قبحه اللّه أمر عقبة ابن أبي معيط بأن يرمي النبي صلّى اللّه عليه وسلم بفرث فأخبر حمزة بما فعل فغضب وأقبل على أبي جهل وصار يضربه بالقوس فطفق أبو جهل يتضرع إليه ويقول له يا أبا يعلى أما تراه سفه عقولنا وأحلامنا وآلهتنا، فقال ومن أسفه منكم عقولا تعبدون الحجارة من دون اللّه، وأسلم في ذلك اليوم رضي اللّه عنه وأرضاه، وهناك أقوال أخر بأنها نزلت في النبي صلّى اللّه عليه وسلم أو في عمر أو في عثمان وأبي جهل أو في عامة المؤمنين والكافرين والأول أولى لنبوت واقعة إسلام حمزة فيه وهي أيضا عامة في كل مؤمن مهتد وفي كل كافر ضال، لأن خصوص نزولها لا يقيد عمومها {كَذلِكَ} كما زين للمؤمن إيمانه {زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ 122} من الكفر والمعاصي و{كَذلِكَ} مثل ما جعلنا في مكة كبراء للمكر والكيد {جَعَلْنا} أيضا {فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها} أي مجرمين أكابر من اضافة الصفة إلى الموصوف وقيل إن مجرميها بدل من أكابر وقيل مفعول أول وأكابر مفعول ثاني لأنه معرفة فيتعين أنه المبتدأ بحسب الأصل، والأول أولى، وإنما جعل المجرمين أكابر لأنهم أقدر على المكر والكيد وترويج الباطل بين الناس من غيرهم، وإنما حصل ذلك لأجل الرياسة وقد جرت سنة اللّه أن ينقاد الناس لرؤسائهم في الجاه والمال وكثرة الأنصار وأن يكون اتباع الرسل أول أمرهم ضعفاؤهم {لِيَمْكُرُوا فِيها} ليتجبروا على الناس بالمكر والخديعة والحيل والغرور والفجور وأنواع المكايد {وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ} لأن المكر يحيق بصاحبه راجع الآية 63 من سورة فاطر في ج 1، {وَما يَشْعُرُونَ 123} أن مكرهم يعود عليهم ويضرهم قال بعض الأفاضل ويدخل في المكر الغيبة والنميمة والكذب وترويج الباطل بين الناس والأيمان الكاذبة وغيرها {فَإِذا جاءَتْهُمُ} بلغت هؤلاء المشركين، من آيات اللّه المنزلة على رسوله {آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ} بها وحدها ولا نؤمن {حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} من النبوة ويأتينا جبريل بالوحي من عند اللّه، قال تعالى ردا على هؤلاء الفسقة: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ} ومن هو صالح لنبوته وخلافته على خلقه فيشرفه بها وهذا مما يؤيد أنهم طلبوا النبوة لا كما قاله الغير من أنهم طلبوا نزول الملائكة فقط لتشهد برسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلم.
وقد نزلت هذه الآية في الوليد بن المغيرة حين قال زاحمنا بني عبد المطلب في الشرف حتى صرنا كفرسي رهان، قالوا منّا نبي يوحى إليه واللّه لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه.
ولا مانع بأن يكون نزولها فيهما معا، وهذا من المكر الذي تضمنته هذه الآية الشريفة السابقة.
قال أهل المعاني: الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل البعثة مطاعين لأن الطعن يتوجه عليهم فيقال إنهم كانوا رؤساء فاتبعهم قومهم، فكان اللّه تعالى أعلم بمن يستحقها فجعلها في محمد بن عبد اللّه وهو يتيم ويوجد من أهله من هو أقدم منه في الرياسة لقومه ولم يجعلها في المجرمين الأكابر كأبي جهل والوليد {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} من هؤلاء المتطاولين {صَغارٌ} ذل وهوان {عِنْدَ اللَّهِ} في الآخرة غير الذي حل بهم في الدنيا {وَعَذابٌ شَدِيدٌ}.
فيها أيضا غير عذاب القتل والأسر والجلاء في الدنيا وذلك {بِما كانُوا يَمْكُرُونَ 124} بسبب مكرهم وصدهم وطلبهم ما لا يستحقونه وتمنيهم على اللّه الأماني مع إصرارهم على الكفر واستخفافهم بالإيمان باللّه وبمن يأمرهم به {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ} للإيمان {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ} فيوسعه وينوره ويصيره مستعدا لقبوله فيؤمن.

.مطلب ما يوجب ضيق الصدر والمثل المضروب لذلك من معجزات القرآن:

أسند الطبري عن ابن مسعود قال: سئل رسول اللّه حين نزلت هذه الآية عن شرح الصدر قال نور يقذفه اللّه في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح.
قيل فهل لذلك أمارة؟ قال نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت.
{وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} حتى لا يدخله الإيمان لأنه يشمئز من ذكر اللّه ويرتاح لذكر الأوثان، والحرج هو المكان الضيق والغابة الأشجار الملتفة التي لا يصل إليها شيء من الحيوانات الراعية السائمة والوحشية- شبه اللّه قلب الكافر الذي لا يصل إليه الخير بالحرجة الشجرة الملتفة بجامع الضيق في كل، وجعله بحيث لا يعي علما ولا استدلالا على توحيد اللّه تعالى والإيمان به وفي هذه الآية دليل على أن جميع الأشياء بمشيئة اللّه تعالى وإرادته من إيمان المؤمن وكفر الكافر وهو كذلك وقد ألمعنا لهذا في الآية 39- 107 من هذه السورة وفيها ما يرشدك لمراجعة غيرهما فترى ذلك الضال {كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ} وهذا تمثيل لشدة ضيق الصدر على طريق المبالغة إذ شبهه بمن يزاول ما لا يقدر عليه لأن صعود السماء بدون جناحين أو خاصة أكرم بهما وبعض البشر خارج عندائرة الاستطاعة ولهذا مثل فيه، وفي الآية تنبيه على أن الإيمان يمتنع ممن هذا شأنه كما يمتنع عليه صعود السماء، وقيل كأنه يكلف صعودها إذا دعي للإيمان إذ يرى أن الأرض ضاقت به، وفيها إيذان بأمر آخر وهو أن أو كسجين الهواء ينقص في طبقات الجو وكلما ارتفع تناقص وأن الإنسان إذا صعد لتلك الطبقة ولو بالطائرة أو غيرها من الآلات المحدثة لا بطريق الكرامة أو المعجزة يشعر فيها بعوارض الاختناق من صعوبة التنفس حتى يقارب إلى أن يترشح الدم من مسام وجوده فتضعف قواه لضعف الضربة الدموية في قلبه، وقد يؤدي ذلك إلى الموت، وهذا من معجزات القرآن العظيم، إذ لا يوجد زمن الرسول من يعرف هذا أو يخبر عنه حتى يضرب اللّه تعالى به المثل الذي لم يطلع عليه إلا الماهرون في علم الفلك وطبقات الجو ومن اجتاز طبقة عليا من الطيارين في هذا الزمن قرن العشرين ميلادي والرابع عشر هجري فاعتبروا يا أولي الأبصار وأجيلوا النظر في قوله تعالى: {ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ} {كَذلِكَ} مثل ذلك الجعل {يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ} والعذاب الفظيع في الآخرة واللعنة المعقدة في الدنيا {عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ 125} به مثل ما جعل صدورهم ضيقة عن قبول الإيمان وأصل الرجس الشيء القذر ويراد منه الخذلان وكل ما لا خير فيه وفي هذه الآية رد صريح على المعتزلة القائلين بعدم الإرادة والمشيئة كما ذكرنا في الآية 124 المارة، قال تعالى: {وَهذا صِراطُ رَبِّكَ} يا محمد {مُسْتَقِيمًا} عدلا فيمن اقتضت حكمته وسنته أن يشرح صدر من شاء من عباده إرادة هدايته من شاء أن يضيق صدره إرادة خذلانه، وهو منصوب على الحال والعامل فيه معنى الإشارة لأن ذا يتضمن معناها كقولك هذا زيد قائما أي أشير إليه حال قيامه، واعلم أنه إذا كان العامل في الحال معنى الفعل لم يجز تقديم الحال عليه فلا يجوز أن تقول قائما هذا زيد ويجوز ضاحكا جاء زيد {قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ 126} بمعانيها فيتعظون بها، وإنما ختم هذه الآية بالتذكر لأنه تقرر في عقل كل أحد أن طرفي الممكن لا يترجح على الآخر إلا بمرجح فكأنه تعالى يقول لأهل الاعتزال تذكروا ما تقرر في عقولكم أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح حتى تزول الشبهة عن قلوبكم بالكلية في مسألة القضاء والقدر وهؤلاء المتذكرون {لَهُمْ دارُ السَّلامِ} الأمان من كل خوف وكدر وهي الجنة أضافها اللّه تعالى إليه تعظيما لها بقوله: {عِنْدَ رَبِّهِمْ} في الآخرة {وَهُوَ وَلِيُّهُمْ} في الدنيا والآخرة {بِما كانُوا يَعْمَلُونَ 126} من الخير {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} لموقف الحساب في الآخرة {جَمِيعًا} الأنس والجن برهم وفاجرهم فيقول لهم {يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ} في الإضلال حتى صيرتموهم أتباعا لكم {وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ} أولياء الجن {مِنَ الْإِنْسِ} الذين أطاعوهم وقبلوا وساوسهم {رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ}.